أحمد بن علي القلقشندي
125
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
في غاية من البلاغة ، وعلوّ الرّتبة في الصّنعة . ثم تلاه الإمام أبو محمد القاسم الحريريّ ( 1 ) ، فعمل مقاماته الخمسين المشهورة ، فجاءت نهاية في الحسن ، وأتت على الجزء الوافر من الحظَّ ، وأقبل عليها الخاصّ والعامّ ، حتّى أنست مقامات البديع وصيرّتها كالمرفوضة . على أن الوزير ضياء الدّين بن الأثير في « المثل السّائر » لم يوفّه حقّه ، ولا عامله بالإنصاف ، ولا أجمل معه القول ، فإنه قد ذكر أنه ليس له يد في غير المقامات ، حتّى ذكر عن الشيخ أبي محمد أحمد بن الخشّاب أنه كان يقول : إن الحريريّ رجل مقامات ، أي إنّه لم يحسن من الكلام المنثور سواها ، فإن أتى بغيرها فلا يقول شيئا . وذكر أنه لما حضر بغداد ، ووقف على مقاماته ، قيل : هذا يستصلح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة ، ويحسن أثره فيه ، فأحضر وكلَّف كتابة كتاب فأفحم ، ولم يجر لسانه في طويله ولا قصيره ، حتّى قال فيه بعضهم : شيخ لنا من ربيعة الفرس ينتف عثنونه من الهوس أنطقه اللَّه بالمشان وفي بغداد أضحى الملجوم بالخرس ( 2 ) !
--> ( 1 ) هو القاسم بن علي بن محمد بن الحريري المتوفى سنة 516 ه . ( انظر ترجمته في وفيات الأعيان وخزانة البغدادي ومعاهد التنصيص ودائرة المعارف الإسلامية ) . ( 2 ) نسب ابن خلكان هذين البيتين إلى الشاعر البغدادي أبي القاسم علي بن أفلح . ثم استدرك قائلا : وقيل هما لأبي محمد بن أحمد المعروف بابن جكينا الحريمي البغدادي الشاعر المشهور . وروى البيت الثاني على النحو التالي : أنطقه اللَّه بالمشان كما رماه وسط الديوان بالخرس وكان الحريريّ يزعم أنه من « ربيعة الفرس » ، وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكرة ، وكان يسكن في مشان ( بليدة فوق البصرة ) . وإذا كان بعض المتقدمين لم ينصفوا الحريري لأسباب مختلفة ، فإن البعض الآخر عرفوا قدره ولم يبخسوه حقه . وقد قال عنه ابن خلكان : « ومن عرف مقاماته حق معرفتها استدلّ بها على فضل هذا الرجل وكثرة اطلاعه وغزارة مادته » كما أن المتأخرين احتفلوا بآثاره احتفالا كبيرا ، وخاصة المقامات ، فقال عنه « دي ساسى » : « ولما نشر الحريري مقاماته اتّهم بالانتحال والسرقة ؛ غير أن هذه الشبهة لم تلازمه طويلا . وقليلة هي المؤلفات التي عرفت ذلك القدر الكبير من الشروحات والتعليقات كما عرفت مقامات الحريري » . ( انظر وفيات الأعيان : 4 / 65 - 66 - ومقدمة دي ساسي لطبعته الأولى من مقامات الحريري ( بالفرنسية ) - ودائرة المعارف الإسلامية : 4 / 181 ) .